الشيخ علي المشكيني
103
رسائل قرآنى
قال تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ « 1 » . قوله : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ أيفي عالم البرزخ وفي الزمان الفاصل بين الموت والبعث . والشاهد على هذا المعنى ما يتعقّبه من الجواب . و « يؤفكون » أيكما إنّهم كانوا في الدنيا ينحرفون عن الحقّ ويصرفون إلى الباطل بمكائد الشيطان وهوى الأنفس ، كذلك حصل لهم الانحراف والخطأ في تشخيص مدّة البرزخ . ويستفاد من جواب المؤمنين أنّه قد صدر منهم ذلك جهلًا وغفلةً عن طول المدّة ، لا مع التعمّد إلى الكذب . ثمّ إنّه يظهر من حلفهم على كون المدّة ساعة أنّهم تخيّلوا عدم مجيء يوم القيامة وعدم قيام الساعة ، وأنّ هذه البعث وقع قبله ، ولعلّ اللَّه أحياهم لأمر آخر ، فأجاب العلماء من المؤمنين - ولعلّهم الأنبياء والملائكة أو علماء الشرايع الحقّة - أنّكم قد لبثتم في البرزخ جميع مدّته ، وهذا القيام قيام البعث العامّ ليس غيره ، ولكنّكم غفلتم عن ذلك فلم تعلموا . والآية ظاهرة في أنّ هؤلاء المجرمين لم يكونوا في عالم البرزخ أحياء معذّبين وإلّالم يعتقدوا كونه ساعة واحدة ، وهذا هو المستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السلام ؛ فإنّه يظهر منها أنّ أهل البرزخ على طوائف : منهم : أحياء مرزوقون ، وأبرار منعّمون ، وهم من مَحَضَ الإيمان محضاً ، كالشهداء في سبيل اللَّه ومن يحذو حذوهم ممّن مدادهم أفضل من دماء الشهداء وغيرهم . ومنهم : أحياء معذّبون ، وهم من مَحَضَ الكفر محضاً . وآخرون ملهون عنهم ، لا ينعّمون ولا يعذّبون ، وكأنّهم نيام ، ولا يستيقظون إلّايوم البعث وقيام الساعة ، فإنّه كما تنامون تموتون ، وكما تستيقظون تبعثون . وهؤلاء أكثر أهل البرزخ من مستضعفي المسلمين والكفّار ، وفي بعض أخبار أهل البيت عليهم السلام : أنّ من محض الإيمان شيعة عليّ عليه السلام وأتباعه .
--> ( 1 ) . الروم ( 30 ) : 55 - 56 .